مثّلت فكرة الوجود اليهوديّ في القدس هاجساً لدى العقل الصهيونيّ منذ نشأته، فهو ظلّ يُحاول على الدوام ومنذ أيّامه الأولى مروراً بإنشاء دولته وسيطرته على كامل القدس وحتى اليوم أن يُثبت أنّ اليهود أصحاب حقٍّ في هذه المدينة وأنّهم كانوا موجودين فيها وكان لهم فيها مقدّسات لا تقلّ أهميّة عن المقدّسات القائمة فيها اليوم للمسلمين والمسيحيّين، بل ويُحاول أن يثبت أنه صاحب "الحق الحصري" فيها وأن مقدسات الآخرين، وبخاصة المسلمين، لا تعدو كونها إحلالاً مكان مُقدّسه الأصيل.
الرواية التوراتية للتاريخ تقول إن الوجود اليهودي في المدينة بدأ بسيدنا داوود والمملكتين من بعده، وأنه بعد سقوط المملكتين عاد الوجود اليهودي بشكلٍ متقطع وبسلطة سياسية تتفاوت من عهدٍ إلى عهد. ويُجمع المؤرّخون أنّ الوجود اليهوديّ في مدينة القدس انتهى بقمع الإمبراطور الرومانيّ هادريان للثورة اليهوديّة الثانية عام 132م، وقد انقطع الوجود البشري والدينيّ لليهود في المدينة منذ ذلك التاريخ وحتى منتصف القرن السادس عشر، عندما هاجرت مجموعةٌ من يهود الأندلس إلى القدس هرباً من اضطهاد الملوك الإسبان، وابتدعت هذه المجموعة فكرة تقديس حائط البراق أو الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى.
تطور الموقف السياسي:
وطوال ثلاثة قرون ظلّ حائط البراق مركزَ النشاطات الدينيّة اليهوديّة في القدس، ومحور اهتمام المتدّينين اليهود، إلى أن ظهرت الصهيونيّة اليهوديّة في منتصف القرن التاسع عشر، وتبنّت الأفكار اليهوديّة الرومنسيّة المنادية بالعودة إلى "أرض الميعاد"، وإحياء ارتباط الشعب اليهوديّ بمدينة القدس، وإعادة بناء ما يُسمّى بـ"هيكل سليمان". عندها تحوّل الاهتمام الصهيونيّ واليهوديّ من الحائط الغربيّ إلى المدينة بكاملها، كمدينةٍ مقدّسة لليهود بما فيها المسجد الأقصى المبارك. وقد بقيت الصهيونيّة تُداعب مشاعر اليهود حول العالم بهذه الوعود حتى عام 1967م، عندما أكمل الصهاينة سيطرتهم على الجزء الشرقيّ من المدينة، وأصبح المسجد الأقصى في قبضتهم، وكان عليهم أن يواجهوا الواقع، ويوازنوا بين الأحلام التي وعدوا بتحقيقها، وبين قدرتهم الفعليّة على تحقيق تلك الأحلام.
تحت تأثير صدمة الصهاينة بانتصارهم الساحق والسهل في عام 1967م، وبدافع حرصهم على الحفاظ على المكتسبات العملاقة الناتجة عنه، اختار القائمون على المشروع الصهيونيّ حينها أن يعملوا بكل الطرق على تثبيت سيطرتهم على الأرض التي احتلّوها بدلاً من أن يخوضوا مواجهةً غير معروفة العواقب مع أهلها، لذا فقد حافظوا على الوضع القائم في المسجد الأقصى ومنعوا اليهود من دخوله، وركّزوا بدلاً من ذلك على مشاريع الاستيطان، وإثبات "الحقّ اليهوديّ" في الأرض التي احتلّت من خلال جهود البحث عن الهيكل. بالفعل شكّلت حكومة الاحتلال عام 1967م بعثةً ضخمةً من علماء الآثار برئاسة "بنيامين مزار"؛ للبحث عن آثار الهيكل تحت المسجد الأقصى، ومنحت الحكومة هذه البعثة صلاحيّاتٍ واسعة وتمويلاً ضخماً، على أمل كشف آثار الهيكل اليهوديّ، لكنّ هذه البعثة -وبعد ما يُقارب 30 عاماً من العمل- أعلنت عجزها عن العثور على أيّ أثرٍ يهوديٍّ من أيّ نوع تحت المسجد الأقصى، وفيما نعتقد فإنّ هذا الإعلان مثّل صدمةً حقيقيّة للصهاينة، لأنّ الكثير منهم كانوا يعتقدون حقّاً بوجود الهيكل في هذا المكان، ومثّل هذا الاعتقاد في حينه مصدراً للاطمئنان بالنّسبة للقائمين على المشروع الصهيونيّ ولسكّان المدينة اليهود.
وفي محاولةٍ للهروب إلى الأمام قرّر القائمون على المشروع الصهيونيّ خلق "أورشليم المقدّسة" بأنفسهم إن لم تكن موجودة، وذلك من خلال مسارين أساسيّين، هما: تثبيت "حقّ اليهود بالصلاة في جبل الهيكل"، وخلق آثار "أورشليم المقدّسة" في هذا الجبل، كما وردت في الروايات التوراتيّة والتلموديّة.
تطور الموقف الديني:
لتنفيذ هذا المشروع بالسرعة المطلوبة، كان لا بدّ من تغيّر الموقف الدينيّ اليهوديّ التقليديّ الذي تبنّته الغالبيّة العظمى من الحاخامات اليهود منذ عام 1967م والقاضي بتحريم دخول اليهود إلى "جبل الهيكل". وبعد أن كانت مسألة "حقّ اليهود في الصلاة في جبل الهيكل" دعوةً تحملها مجموعةٌ صغيرةٌ من الحاخامات المتموّلين من أثرياء الولايات المتّحدة، تحوّلت هذه المسألة -وبشكلٍ متلازمٍ مع التحوّل الذي طرأ على المشروع الصهيونيّ- إلى تيّارٍ سريع النموّ في صفوف المتديّنين اليهود أصبح يضمّ في عام 2001 عدداً كبير من النشطاء والحاخامات بينهم 11 من الحاخامات الكبار في دولة الاحتلال.
ورغم خيبة الأمل التي تعرّض لها مناصرو هذا التيّار عام 2005 إثر فشل تحقيق نبوءة بناء الهيكل في ذلك العام، وإثر تجديد الحاخاميّة الرسميّة الإسرائيليّة لمنع الدخول إلى "جبل الهيكل"، إلا أنّ أعداد الحاخامات المنضوين تحت لوائه ظلّت تتزايد بشكلٍ سريع، وقد شهد العام 2007 وحده انضمام 5 من أبرز حاخامات دولة الاحتلال وأكثرهم تأثيراً إلى تيّار المنادين بـ"حق اليهود بالصلاة في جبل الهيكل". في الوقت ذاته، أصبحت نشاطات مناصري هذا التيار على الأرض أكثر تنظيماً وعدوانيّة، وهذا التغيّر السريع في موقف المتديّنين اليهود يقودنا إلى الاستنتاج بأنّ الفتوى الدينية تابعةٌ ومتماهية مع الموقف السياسي الصهيوني وتطوراته، وأن الشريعة اليهوديّة لم تكن العائق الحقيقيّ الذي منع دولة الاحتلال من إدخال اليهود إلى المسجد الأقصى أو من هدمه منذ عام 1967م وحتى اليوم.
تطور الموقف القانوني:
ولمّا كان موقف القانون الإسرائيليّ لجهة منع اليهود من دخول "جبل الهيكل" مشابهاً للموقف الديني اليهوديّ السائد كان لا بدّ من تغييره هو الآخر، لكنّ ذلك لم يكن ممكناً عن طريق برلمان الاحتلال الذي شرّع بالأصل قوانين المنع، لأنّ إقرار قانونٍ يسمح لليهود بدخول المسجد الأقصى في البرلمان سيُثير ضجّةً واسعة ويستثير العديد من ردود الفعل الغاضبة، لذا لجأ المتطرفون اليهود بناءً على ترتيب ضمني مع القيادة السياسية للاحتلال إلى "المحكمة العليا"، التي كانت ترفض التدخّل في هذا الموضوع منذ عام 1967م.
في عام 1993 كسرت المحكمة العليا للمرّة الأولى الحظر المفروض على دخول اليهود إلى المسجد الأقصى، معتبرةً أنّ دخولهم إلى "جبل الهيكل" يقع تحت بند حريّة العبادة التي تكفلها قوانين دولة الاحتلال لكلّ سكّانها، لكنّ قرار المحكمة هذا بقي مجمّداً حتى عام 2003، حينما أعادت المحكمة تأكيدها على "حقّ اليهود بالدخول إلى جبل الهيكل". بعدها بعامين، وتحديداً في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر 2005 طوّرت المحكمة قرارها هذا لتسمح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى وليس فقط بالدخول إليه، وهي تنظر اليوم في دعاوى متتالية يُقدّمها المتطرّفون اليهود للسماح لهم بتقديم القرابين في "جبل الهيكل"، وليس هناك ما يمنع المحكمة من الموافقة على ذلك في المستقبل القريب، فتسلسل الأحداث السابق يثبت أنّها ليست سوى أداةً في يد السلطة السياسيّة توافقها في المنع إن منعت كما كان الحال في النصف الثاني من القرن الماضي، وتوافقها في السماح إن سمحت، كما هو الحال منذ عام 2003 وحتى اليوم.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق