ترافقت كلّ هذه التغييرات السياسيّة والدينيّة والقانونيّة الهادفة إلى الوصول إلى "أورشليم المقدّسة" مع تسارعٍ محمومٍ لإجراءات التهويد على الأرض، وتطوّرٍ جديد في الجهات التي تنفذ أعمال الحفر والبناء، فسلطة الآثار أصبحت توكل أعمال البناء للجمعيات المتطرفة الداعية لبناء الهيكل، مثل "جمعية الحفاظ على تراث الحائط الغربي" بعد أن كانت توكل هذه الأعمال لبعثة علميةٍ متخصصة من الجامعة العبرية، وأصبحت هذه المواقع تفتتح للجمهور تحت اسم وزارة السياحة.
خلال الفترة التي يُغطّيها تقريرنا والممتدّة من 22/8/2006 إلى 21/8/2008 كانت فرق الحفريّات التابعة لدولة الاحتلال والجمعيّات المتطرّفة تنشط في 7 مواقع من أصل 18 موقع حفريّاتٍ تُحيط بالمسجد الأقصى، وقد توزّعت هذه الحفريّات الهادفة لإنشاء مدينةٍ يهوديّة تحت الأرض على مختلف جهات المسجد الأقصى:
حفريات الجهة الجنوبيّة للمسجد:
حيث يعمل المحتلّ على بناء "مدينة داوود"، وتوجد في هذه الجهة 7 مواقع حفريّات منها 4 نشطة، وأكبر هذه الحفريّات وأخطرها على الإطلاق هو الطريق الهيروديانيّ الذي يمتدّ لمسافةٍ تزيد على 600 متر ويربط ساحة البراق بالمدخل الجنوبيّ لمدينة داوود وفي ظنّنا فإنّ هذا الطريق سيُشكّل عند انتهائه المدخل الجنوبيّ للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد الأقصى، وسيدخل منه المستوطنون الآتون من البؤرالاستيطانيّة في سلوان ومن مستوطنات "تلبيوت الشرقيّة" و"جيلو" و"هار جيلو" و"هار حوما" وبقيّة المستوطنات جنوب البلدة القديمة في القدس.
حفريات الجهة الغربية للمسجد:
تُعدّ هذه الجهة العصب الرئيس للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد الأقصى، فهي تحتوي على 10 مواقع للحفريّات، منها موقعان نشطان، هما؛ حفريّات ساحة البراق والتي اشتملت أيضاً على هدم أبنيةٍ إسلاميّة تاريخيّة، وشبكة أنفاق الحائط الغربيّ، وهي تُعدّ أكثر الحفريّات نشاطاً وعمقاً في الجهة الغربيّة للمسجد الأقصى، وهي تقع أسفل الحفريّات الأخرى جميعاً، وتمتدّ بعدّة اتجاهات؛ فأوّلها يبدأ أسفل باب الحديد ويتجه شمالاً باتجاه المدرسة العمريّة، وثانيها يبدأ أسفل باب الحديد ويتجه جنوباً باتجاه ساحة البراق، وثالثها يبدأ أسفل حائط البراق ويتجه شرقاً نحو متوضّأ سبيل الكأس، الذي يتوسّط المسافة بين المسجد القبلي وقبّة الصخرة، ومن أسفل منطقة سبيل الكأس يتفرّع هذا النفق جنوباً باتجاه المسجد القبليّ وشمالاً باتجاه قبّة الصخرة. ولم يتّضح بعد بشكلٍ قاطع هدف الاحتلال من هذه الأنفاق، إلاّ أنّنا نعتقد أنّها تخدم هدفين رئيسين، بحسب التقسيم الآتي:
أولاً: الأنفاق الممتدّة تحت باحات المسجد الأقصى: وتهدف في ظنّنا إلى توسيع المدينة اليهوديّة لتصل جنوباً إلى الباب الثلاثيّ المغلق الذي يُسمّيه اليهود بـ"بوّابات هولدا"، ويدّعون أنّه كان مدخلاً للأنفاق التي تصل بين مدينة داوود والهيكل، بينما تصل شمالاً إلى قبّة الصخرة التي يدعي اليهود أنّها "قدس الأقداس" وفيها توجد "صخرة الخلق" المقدّسة التي بدأ منها خلق الكون، وفي حال وصلت الأنفاق فعلاً إلى أسفل مصلّى قبّة الصخرة، يكون الاحتلال قد بلغ مرحلةً متقدّمةً من مشروع تقسيم المسجد الأقصى، وأنهى في الواقع الخطوة الأصعب في التمهيد لهذا المشروع، وهي إيصال الحاخامات اليهود إلى "قدس الأقداس" لإقامة طقوسهم فيها، وهي الطقوس التي تُعد ذروة صلاة اليهود في جبل الهيكل، أمّا إقامة الطقوس نفسها فلن تُشكّل عائقاً بعد ذلك لأنّ حاخامات اليهود لا يُصلّون في "قدس الأقداس" إلاّ لأيّام معدودةٍ في السنة وبالتالي يُمكن للاحتلال أن يُغلق المصلّى السفلي لقبّة الصخرة في هذه الأيّام، ويُمكّن الحاخامات من دخوله دون أن يحتاج ذلك إلى كبير عناءٍ منه.
ثانياً: الأنفاق الممتدّة على طول الحائط الغربيّ: ولها عدّة مداخل على طول الحائط، وهي متّصلة مع الحفريّات التي تعلوها من خلال فتحات مربّعة تشبه في شكلها وحجمها بئر المصعد. وهذه المواصفات يُمكن أن توفّر لقوّات الاحتلال حريّة حركةٍ كبيرة تحت "المدينة اليهوديّة" تُمكّنها من أن تتدخّل وتصل سريعاً إلى أيّ من مواقع المدينة في حال وقوع أيّ حادث، كما تُمكّنها من تسيير دوريّات في هذه المدينة دون أن تزاحم السيّاح والمصلّين اليهود في المساحات الضيّقة التي يتحرّكون خلالها داخل مواقع الحفريّات المختلفة.
حفريات الجهة الشمالية للمسجد:
تتركز حفريات الجهة الشمالية في الزاوية الشماليّة الغربيّة للمسجد الأقصى، وتحديداً في منطقة المدرسة العمريّة الملاصقة لدرب الآلام، وتشمل موقعاً واحداً تنشط فيه الحفريّات، هو موقع "بركة القبّرة" والتي يدّعي الاحتلال أنّها كانت بركةٌ عامّةً تبلغ مساحتها 825 متراً مربّعاًً، مما يعني أنّ الحفريّات في هذه المنطقة ستستمرّ لفترةٍ طويلة حتى كشف كلّ المساحة المدّعاة للبركة، وفي ظنّنا فإنّ الأنفاق التي تُحفر في هذه الجهة ستُشكّل المدخل الشماليّ للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد، وقد اختار الاحتلال مكان المدرسة العمريّة المطلّة على درب الآلام بالذات لوصل المدينة اليهودّية بهذا الطريق، ولربط التاريخ اليهوديّ للمدينة بتاريخها المسيحيّ، وتوحيد الجولات السياحيّة بين المزارات المسيحيّة والمدينة اليهوديّة لتظهر كجزءٍ لا يتجزّأ من مدينة القدس.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق