إضافةً إلى الحفريّات فإنّ الاحتلال حاول توسيع وجوده في ساحات ومحيط المسجد الأقصى بشكلٍ كبير خلال الفترة التي يُغطّيها التقرير:
مخطط السيطرة على الجزء الجنوبي الغربي للمسجد:
بعد منع ترميم طريق المغاربة وتركه ينهار في 15/2/2004، وتجديد منع ترميمه بعد انهياره وإقامة جسر خشبي مؤقت بدلاً منه، بدأ الاحتلال في شهر شباط/فبراير 2007 بهدم هذه الطريق لتوسيع مكان صلاة النساء اليهوديات أمام حائط البراق ليصل إلى أقصى الطرف الجنوبيّ للمسجد الأقصى، وأقرّ خطّة لبناء جسرٍ حديديّ مكانه بمسارٍ يصل مدخل ساحة البراق بباب المغاربة، وفي اعتقادنا أنّ الاحتلال يهدف من بناء هذا الجسر إلى تثبيت واقع دخول اليهود إلى المسجد الأقصى، تمهيداً لمحاولة اقتسام الجزء الجنوبيّ الغربيّ من ساحات الأقصى وتخصيصه لصلاة اليهود، لكنّه في اعتقادنا لن يكتفي بذلك، بل سيسعى في المستقبل لبناء جسرٍ على الطراز "الهيروديانيّ" يصل بين الكنيس الموجود تحت حائط البراق "قنطرة ويلسون" وباب المغاربة مباشرة، ليُصبح الجزء الجنوبيّ الغربيّ من ساحات المسجد الأقصى جزءاً لا يتجزأ من المدينة اليهوديّة المقدّسة تحت المسجد الأقصى وفي محيطه.
وقد أعلنت بعض صحف الاحتلال في 13/4/2008 أنّ أحجار حائط البراق بدأت بالتفتّت، خصوصًا تلك الحجارة الواقعة في أعلى السور، أي أحجار مصلّى البراق، الذي يقع في أقصى الطرف الغربيّ للمسجد الأقصى. ويُمّهد هذا الإعلان في غالب الظنّ لإغلاق مسجد البراق، ومنع المصلّين من الوصول إليه، تمهيداً لتحويله إلى كنيسٍ يهوديّ أو موقعٍ أثريّ متصلٍ بالمدينة اليهوديّة المفترضة.
ولا بدّ أن نشير هنا إلى أنّ حفريّات الاحتلال في باب المغاربة مثّلت علامةً فارقة في تاريخ استهداف الاحتلال للمسجد الأقصى، فباب المغاربة هو أقرب نقطةٍ فوق الأرض إلى المسجد الأقصى يستهدفها الاحتلال في تاريخه، ورغم ذلك فقد اتّسمت ردود الفعل الشعبيّة والرسميّة على ذلك بضعفٍ وتشتّتٍ بالغين، الأمر الذي شكّل مؤشّراً إيجابيّاً للاحتلال، شجّعه على تسريع وتيرة مشروع المدينة المقدسة اليهودية بما فيه اقتسام المسجد، وهذا ما يظهر في تكثيفه لنشاط الحفريّات والبناء في المسجد الأقصى ومحيطه خلال الفترة التي يُغطّيها التقرير، وإن لم يُتدارك هذا الأمر بالسرعة اللازمة، فإنّ ميزان الربح والخسارة لدى الاحتلال سيختلّ، وستصبح منافع الاعتداء على المسجد الأقصى أكبر من مضارّه بالنسبة إليه، ما سيدفعه إلى تغيير الأسلوب البطيء الحذر الذي كان يتبناه حتى عهدٍ قريب، والذي كان السبب الرئيس وراء الفشل في تحقيق أحلام التهويد والسيطرة وتحقيق القدسية اليهودية في المدينة على مدار الأعوام الأربعين الماضية، إلى أسلوبٍ سريعٍ مباشرٍ يرسم الشكل النهائي لـ"أورشليم المقدسة" كما يتبناها في أسرع وقتٍ ممكن.
مخطط السيطرة على محيط باب السلسلة غرب المسجد:
غير بعيد عن ساحة البراق كُشف في 10/1/2007 عن مخطط يُكمّل خطوة هدم طريق باب المغاربة، ويتمثل ببناء كنيس في حارة باب الواد غرب سوق القطّانين، أحد أبواب المسجد الأقصى، تحت اسم "خيمة اسحاق"، وذلك في مكان مبنى حمّام العين، الذي أنشأه الأمير تنكز الناصريّ خلال الفترة المملوكيّة سنة 737هـ/1337م، ليبتلع إلى جنوب المبنى أرضاً تُسمّى البيّارة أو الحاكورة تتبع دائرة الأوقاف الإسلاميّة، ومن المفترض أن يتحول هذا المكان إلى معهدٍ دينيّ يهودي من 4 طوابق تعلوها قبّةٌ ضخمة، وبالتالي سيكون هذا البناء أعلى بكثير من كلّ المباني المحيطة، وسيُغطّي قبّة الصخرة بالكامل للناظر من جهة حارة الشرف "الحيّ اليهوديّ"، ومن الجهة الجنوبيّة الغربيّة للحيّ الإسلامي في البلدة القديمة.
وبالتوازي مع بدء بناء هذا الكنيس، كثّفت "جمعيّة الحفاظ على تراث الحائط الغربيّ" حفريّاتها الهادفة إلى إنشاء متحفٍ ضخم تحت حمّام العين والتي بدأت في الأساس عام 2004، كما بدأت بحفر نفقٍ يبلغ طوله حوالي 200 متر يصل بين المتحف والكنيس من جهة وبين معرض سلسلة الأجيال الموجود تحت ساحة البراق من جهةٍ أخرى، وإذا ما استمرّت هذه الحفريّات بشكلها الحاليّ فإنّ عدداً كبيراً من سكّان حارة باب الواد المقدسيّين سيُغادرونها إمّا بسبب أنّ منازلهم قد أصبحت آيلةً للسقوط، وإمّا بسبب اعتداءات المستوطنين المتمركزين في الكنيس عليهم أو حتى احتلالهم المباشر للمنازل أثناء غياب أصحابها. وإذا ما حصل ذلك بالفعل فإنّ الاحتلال يكون قد وسّع الحيّ اليهوديّ باتجاه الشمال ليصل إلى باب المطهرة على موازاة النصف الجنوبي من المسجد بكامله، وذلك على حساب الحيّ الإسلاميّ وسكّانه المقدسيّين. وإذا ما أنهى الاحتلال بناء كنيسه بالشكل الذي طرحه، يكون قد خطا خطوةً كبيرةً نحو فرض الطابع اليهوديّ على المسجد الأقصى وخصوصاً الجزء الغربيّ منه، لأنّ من ينظر من الجهة الغربيّة لن يرى قبّة الصخرة المعلم الإسلاميّ الأبرز للمدينة، بل سيرى كنيساً يهوديّاً هائل الحجم يُغطّي عليها.
مخطط السيطرة على مقبرة الرحمة شرق المسجد:
استكمال فرض الطابع الديني اليهودي على المسجد يتطلب بالضرورة إحداث تغييرٍ في محيطه من الجهات الأربع، ولما كان الصهاينة لا يملكون مرتكزاتٍ توراتية لبدء أعمال تنقيبٍ وحفر شرق المسجد، فقد استعاضوا عن ذلك بإجراءاتٍ أمنية وسيادية، فقد كانت سلطات الاحتلال قد أعلنت هذه المنطقة "متنزهاً قومياً" في عام 2005، وصادرت في منتصف عام 2008 أكثر من 800 متر مربّع من أراضي مقبرة باب الرحمة المُلاصقة للسور الشرقي للمسجد، وفي 16/7/2008 أدخلت عدداً من الجرّافات إلى هذا الجزء من المقبرة، فخلعت ودمّرت عدداً من القبور، وغطّت معظم المكان بالرمل الأحمر، وقد عدّ الشيخ رائد صلاح، رئيس الحركة الإسلاميّة في فلسطين المحتلّة هذا الأمر خطوةً أولى في مشروعٍ يهدف لتحويل المقبرة إلى حديقةٍ عامّة، وإقامة تلفريك يربط بينها وبين جبل الزيتون، لتكون بوابةً للقادمين من التجمعات الاستيطانية الهائلة شرق المدينة في مستوطنة "معاليه أدوميم" ومحيطها.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق