بسم الله الرحمن الرحيم

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (الإسراء 1)

الأربعاء، 25 مارس 2009

الحفريات في المسجد الأقصى ومحيطه


ترافقت كلّ هذه التغييرات السياسيّة والدينيّة والقانونيّة الهادفة إلى الوصول إلى "أورشليم المقدّسة" مع تسارعٍ محمومٍ لإجراءات التهويد على الأرض، وتطوّرٍ جديد في الجهات التي تنفذ أعمال الحفر والبناء، فسلطة الآثار أصبحت توكل أعمال البناء للجمعيات المتطرفة الداعية لبناء الهيكل، مثل "جمعية الحفاظ على تراث الحائط الغربي" بعد أن كانت توكل هذه الأعمال لبعثة علميةٍ متخصصة من الجامعة العبرية، وأصبحت هذه المواقع تفتتح للجمهور تحت اسم وزارة السياحة.

خلال الفترة التي يُغطّيها تقريرنا والممتدّة من 22/8/2006 إلى 21/8/2008 كانت فرق الحفريّات التابعة لدولة الاحتلال والجمعيّات المتطرّفة تنشط في 7 مواقع من أصل 18 موقع حفريّاتٍ تُحيط بالمسجد الأقصى، وقد توزّعت هذه الحفريّات الهادفة لإنشاء مدينةٍ يهوديّة تحت الأرض على مختلف جهات المسجد الأقصى:

حفريات الجهة الجنوبيّة للمسجد:
حيث يعمل المحتلّ على بناء "مدينة داوود"، وتوجد في هذه الجهة 7 مواقع حفريّات منها 4 نشطة، وأكبر هذه الحفريّات وأخطرها على الإطلاق هو الطريق الهيروديانيّ الذي يمتدّ لمسافةٍ تزيد على 600 متر ويربط ساحة البراق بالمدخل الجنوبيّ لمدينة داوود وفي ظنّنا فإنّ هذا الطريق سيُشكّل عند انتهائه المدخل الجنوبيّ للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد الأقصى، وسيدخل منه المستوطنون الآتون من البؤرالاستيطانيّة في سلوان ومن مستوطنات "تلبيوت الشرقيّة" و"جيلو" و"هار جيلو" و"هار حوما" وبقيّة المستوطنات جنوب البلدة القديمة في القدس.

حفريات الجهة الغربية للمسجد:
تُعدّ هذه الجهة العصب الرئيس للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد الأقصى، فهي تحتوي على 10 مواقع للحفريّات، منها موقعان نشطان، هما؛ حفريّات ساحة البراق والتي اشتملت أيضاً على هدم أبنيةٍ إسلاميّة تاريخيّة، وشبكة أنفاق الحائط الغربيّ، وهي تُعدّ أكثر الحفريّات نشاطاً وعمقاً في الجهة الغربيّة للمسجد الأقصى، وهي تقع أسفل الحفريّات الأخرى جميعاً، وتمتدّ بعدّة اتجاهات؛ فأوّلها يبدأ أسفل باب الحديد ويتجه شمالاً باتجاه المدرسة العمريّة، وثانيها يبدأ أسفل باب الحديد ويتجه جنوباً باتجاه ساحة البراق، وثالثها يبدأ أسفل حائط البراق ويتجه شرقاً نحو متوضّأ سبيل الكأس، الذي يتوسّط المسافة بين المسجد القبلي وقبّة الصخرة، ومن أسفل منطقة سبيل الكأس يتفرّع هذا النفق جنوباً باتجاه المسجد القبليّ وشمالاً باتجاه قبّة الصخرة. ولم يتّضح بعد بشكلٍ قاطع هدف الاحتلال من هذه الأنفاق، إلاّ أنّنا نعتقد أنّها تخدم هدفين رئيسين، بحسب التقسيم الآتي:

أولاً: الأنفاق الممتدّة تحت باحات المسجد الأقصى: وتهدف في ظنّنا إلى توسيع المدينة اليهوديّة لتصل جنوباً إلى الباب الثلاثيّ المغلق الذي يُسمّيه اليهود بـ"بوّابات هولدا"، ويدّعون أنّه كان مدخلاً للأنفاق التي تصل بين مدينة داوود والهيكل، بينما تصل شمالاً إلى قبّة الصخرة التي يدعي اليهود أنّها "قدس الأقداس" وفيها توجد "صخرة الخلق" المقدّسة التي بدأ منها خلق الكون، وفي حال وصلت الأنفاق فعلاً إلى أسفل مصلّى قبّة الصخرة، يكون الاحتلال قد بلغ مرحلةً متقدّمةً من مشروع تقسيم المسجد الأقصى، وأنهى في الواقع الخطوة الأصعب في التمهيد لهذا المشروع، وهي إيصال الحاخامات اليهود إلى "قدس الأقداس" لإقامة طقوسهم فيها، وهي الطقوس التي تُعد ذروة صلاة اليهود في جبل الهيكل، أمّا إقامة الطقوس نفسها فلن تُشكّل عائقاً بعد ذلك لأنّ حاخامات اليهود لا يُصلّون في "قدس الأقداس" إلاّ لأيّام معدودةٍ في السنة وبالتالي يُمكن للاحتلال أن يُغلق المصلّى السفلي لقبّة الصخرة في هذه الأيّام، ويُمكّن الحاخامات من دخوله دون أن يحتاج ذلك إلى كبير عناءٍ منه.

ثانياً: الأنفاق الممتدّة على طول الحائط الغربيّ: ولها عدّة مداخل على طول الحائط، وهي متّصلة مع الحفريّات التي تعلوها من خلال فتحات مربّعة تشبه في شكلها وحجمها بئر المصعد. وهذه المواصفات يُمكن أن توفّر لقوّات الاحتلال حريّة حركةٍ كبيرة تحت "المدينة اليهوديّة" تُمكّنها من أن تتدخّل وتصل سريعاً إلى أيّ من مواقع المدينة في حال وقوع أيّ حادث، كما تُمكّنها من تسيير دوريّات في هذه المدينة دون أن تزاحم السيّاح والمصلّين اليهود في المساحات الضيّقة التي يتحرّكون خلالها داخل مواقع الحفريّات المختلفة.

حفريات الجهة الشمالية للمسجد:
تتركز حفريات الجهة الشمالية في الزاوية الشماليّة الغربيّة للمسجد الأقصى، وتحديداً في منطقة المدرسة العمريّة الملاصقة لدرب الآلام، وتشمل موقعاً واحداً تنشط فيه الحفريّات، هو موقع "بركة القبّرة" والتي يدّعي الاحتلال أنّها كانت بركةٌ عامّةً تبلغ مساحتها 825 متراً مربّعاًً، مما يعني أنّ الحفريّات في هذه المنطقة ستستمرّ لفترةٍ طويلة حتى كشف كلّ المساحة المدّعاة للبركة، وفي ظنّنا فإنّ الأنفاق التي تُحفر في هذه الجهة ستُشكّل المدخل الشماليّ للمدينة اليهوديّة التي يبنيها الاحتلال تحت المسجد، وقد اختار الاحتلال مكان المدرسة العمريّة المطلّة على درب الآلام بالذات لوصل المدينة اليهودّية بهذا الطريق، ولربط التاريخ اليهوديّ للمدينة بتاريخها المسيحيّ، وتوحيد الجولات السياحيّة بين المزارات المسيحيّة والمدينة اليهوديّة لتظهر كجزءٍ لا يتجزّأ من مدينة القدس.

الثلاثاء، 24 مارس 2009

تطوّر فكرة الوجود اليهودي في المسجد الأقصى


مثّلت فكرة الوجود اليهوديّ في القدس هاجساً لدى العقل الصهيونيّ منذ نشأته، فهو ظلّ يُحاول على الدوام ومنذ أيّامه الأولى مروراً بإنشاء دولته وسيطرته على كامل القدس وحتى اليوم أن يُثبت أنّ اليهود أصحاب حقٍّ في هذه المدينة وأنّهم كانوا موجودين فيها وكان لهم فيها مقدّسات لا تقلّ أهميّة عن المقدّسات القائمة فيها اليوم للمسلمين والمسيحيّين، بل ويُحاول أن يثبت أنه صاحب "الحق الحصري" فيها وأن مقدسات الآخرين، وبخاصة المسلمين، لا تعدو كونها إحلالاً مكان مُقدّسه الأصيل.

الرواية التوراتية للتاريخ تقول إن الوجود اليهودي في المدينة بدأ بسيدنا داوود والمملكتين من بعده، وأنه بعد سقوط المملكتين عاد الوجود اليهودي بشكلٍ متقطع وبسلطة سياسية تتفاوت من عهدٍ إلى عهد. ويُجمع المؤرّخون أنّ الوجود اليهوديّ في مدينة القدس انتهى بقمع الإمبراطور الرومانيّ هادريان للثورة اليهوديّة الثانية عام 132م، وقد انقطع الوجود البشري والدينيّ لليهود في المدينة منذ ذلك التاريخ وحتى منتصف القرن السادس عشر، عندما هاجرت مجموعةٌ من يهود الأندلس إلى القدس هرباً من اضطهاد الملوك الإسبان، وابتدعت هذه المجموعة فكرة تقديس حائط البراق أو الحائط الغربيّ للمسجد الأقصى.


تطور الموقف السياسي:
وطوال ثلاثة قرون ظلّ حائط البراق مركزَ النشاطات الدينيّة اليهوديّة في القدس، ومحور اهتمام المتدّينين اليهود، إلى أن ظهرت الصهيونيّة اليهوديّة في منتصف القرن التاسع عشر، وتبنّت الأفكار اليهوديّة الرومنسيّة المنادية بالعودة إلى "أرض الميعاد"، وإحياء ارتباط الشعب اليهوديّ بمدينة القدس، وإعادة بناء ما يُسمّى بـ"هيكل سليمان". عندها تحوّل الاهتمام الصهيونيّ واليهوديّ من الحائط الغربيّ إلى المدينة بكاملها، كمدينةٍ مقدّسة لليهود بما فيها المسجد الأقصى المبارك. وقد بقيت الصهيونيّة تُداعب مشاعر اليهود حول العالم بهذه الوعود حتى عام 1967م، عندما أكمل الصهاينة سيطرتهم على الجزء الشرقيّ من المدينة، وأصبح المسجد الأقصى في قبضتهم، وكان عليهم أن يواجهوا الواقع، ويوازنوا بين الأحلام التي وعدوا بتحقيقها، وبين قدرتهم الفعليّة على تحقيق تلك الأحلام.

تحت تأثير صدمة الصهاينة بانتصارهم الساحق والسهل في عام 1967م، وبدافع حرصهم على الحفاظ على المكتسبات العملاقة الناتجة عنه، اختار القائمون على المشروع الصهيونيّ حينها أن يعملوا بكل الطرق على تثبيت سيطرتهم على الأرض التي احتلّوها بدلاً من أن يخوضوا مواجهةً غير معروفة العواقب مع أهلها، لذا فقد حافظوا على الوضع القائم في المسجد الأقصى ومنعوا اليهود من دخوله، وركّزوا بدلاً من ذلك على مشاريع الاستيطان، وإثبات "الحقّ اليهوديّ" في الأرض التي احتلّت من خلال جهود البحث عن الهيكل. بالفعل شكّلت حكومة الاحتلال عام 1967م بعثةً ضخمةً من علماء الآثار برئاسة "بنيامين مزار"؛ للبحث عن آثار الهيكل تحت المسجد الأقصى، ومنحت الحكومة هذه البعثة صلاحيّاتٍ واسعة وتمويلاً ضخماً، على أمل كشف آثار الهيكل اليهوديّ، لكنّ هذه البعثة -وبعد ما يُقارب 30 عاماً من العمل- أعلنت عجزها عن العثور على أيّ أثرٍ يهوديٍّ من أيّ نوع تحت المسجد الأقصى، وفيما نعتقد فإنّ هذا الإعلان مثّل صدمةً حقيقيّة للصهاينة، لأنّ الكثير منهم كانوا يعتقدون حقّاً بوجود الهيكل في هذا المكان، ومثّل هذا الاعتقاد في حينه مصدراً للاطمئنان بالنّسبة للقائمين على المشروع الصهيونيّ ولسكّان المدينة اليهود.

وفي محاولةٍ للهروب إلى الأمام قرّر القائمون على المشروع الصهيونيّ خلق "أورشليم المقدّسة" بأنفسهم إن لم تكن موجودة، وذلك من خلال مسارين أساسيّين، هما: تثبيت "حقّ اليهود بالصلاة في جبل الهيكل"، وخلق آثار "أورشليم المقدّسة" في هذا الجبل، كما وردت في الروايات التوراتيّة والتلموديّة.

تطور الموقف الديني:
لتنفيذ هذا المشروع بالسرعة المطلوبة، كان لا بدّ من تغيّر الموقف الدينيّ اليهوديّ التقليديّ الذي تبنّته الغالبيّة العظمى من الحاخامات اليهود منذ عام 1967م والقاضي بتحريم دخول اليهود إلى "جبل الهيكل". وبعد أن كانت مسألة "حقّ اليهود في الصلاة في جبل الهيكل" دعوةً تحملها مجموعةٌ صغيرةٌ من الحاخامات المتموّلين من أثرياء الولايات المتّحدة، تحوّلت هذه المسألة -وبشكلٍ متلازمٍ مع التحوّل الذي طرأ على المشروع الصهيونيّ- إلى تيّارٍ سريع النموّ في صفوف المتديّنين اليهود أصبح يضمّ في عام 2001 عدداً كبير من النشطاء والحاخامات بينهم 11 من الحاخامات الكبار في دولة الاحتلال.

ورغم خيبة الأمل التي تعرّض لها مناصرو هذا التيّار عام 2005 إثر فشل تحقيق نبوءة بناء الهيكل في ذلك العام، وإثر تجديد الحاخاميّة الرسميّة الإسرائيليّة لمنع الدخول إلى "جبل الهيكل"، إلا أنّ أعداد الحاخامات المنضوين تحت لوائه ظلّت تتزايد بشكلٍ سريع، وقد شهد العام 2007 وحده انضمام 5 من أبرز حاخامات دولة الاحتلال وأكثرهم تأثيراً إلى تيّار المنادين بـ"حق اليهود بالصلاة في جبل الهيكل". في الوقت ذاته، أصبحت نشاطات مناصري هذا التيار على الأرض أكثر تنظيماً وعدوانيّة، وهذا التغيّر السريع في موقف المتديّنين اليهود يقودنا إلى الاستنتاج بأنّ الفتوى الدينية تابعةٌ ومتماهية مع الموقف السياسي الصهيوني وتطوراته، وأن الشريعة اليهوديّة لم تكن العائق الحقيقيّ الذي منع دولة الاحتلال من إدخال اليهود إلى المسجد الأقصى أو من هدمه منذ عام 1967م وحتى اليوم.


تطور الموقف القانوني:
ولمّا كان موقف القانون الإسرائيليّ لجهة منع اليهود من دخول "جبل الهيكل" مشابهاً للموقف الديني اليهوديّ السائد كان لا بدّ من تغييره هو الآخر، لكنّ ذلك لم يكن ممكناً عن طريق برلمان الاحتلال الذي شرّع بالأصل قوانين المنع، لأنّ إقرار قانونٍ يسمح لليهود بدخول المسجد الأقصى في البرلمان سيُثير ضجّةً واسعة ويستثير العديد من ردود الفعل الغاضبة، لذا لجأ المتطرفون اليهود بناءً على ترتيب ضمني مع القيادة السياسية للاحتلال إلى "المحكمة العليا"، التي كانت ترفض التدخّل في هذا الموضوع منذ عام 1967م.

في عام 1993 كسرت المحكمة العليا للمرّة الأولى الحظر المفروض على دخول اليهود إلى المسجد الأقصى، معتبرةً أنّ دخولهم إلى "جبل الهيكل" يقع تحت بند حريّة العبادة التي تكفلها قوانين دولة الاحتلال لكلّ سكّانها، لكنّ قرار المحكمة هذا بقي مجمّداً حتى عام 2003، حينما أعادت المحكمة تأكيدها على "حقّ اليهود بالدخول إلى جبل الهيكل". بعدها بعامين، وتحديداً في شهر تشرين الأوّل/أكتوبر 2005 طوّرت المحكمة قرارها هذا لتسمح لليهود بالصلاة في المسجد الأقصى وليس فقط بالدخول إليه، وهي تنظر اليوم في دعاوى متتالية يُقدّمها المتطرّفون اليهود للسماح لهم بتقديم القرابين في "جبل الهيكل"، وليس هناك ما يمنع المحكمة من الموافقة على ذلك في المستقبل القريب، فتسلسل الأحداث السابق يثبت أنّها ليست سوى أداةً في يد السلطة السياسيّة توافقها في المنع إن منعت كما كان الحال في النصف الثاني من القرن الماضي، وتوافقها في السماح إن سمحت، كما هو الحال منذ عام 2003 وحتى اليوم.

الاثنين، 9 مارس 2009

نداء عاجلاً إلى قادة الأمة العربية والإسلامية بخصوص مخططات الاحتلال الصهيوني في القدس

وجّه العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية نداء عاجل الى قادة الأمة حول"حقيقة ما يجري في حيّ البستان في القدس ولا سيما بعد إعلان سلطات الاحتلال في 21/2/2009 عن نيتها بإخلاء 88 عقارًا في حي البستان جنوب المسجد الأقصى وتهجير 1500 من أبناء الحي.
وأوضح الشيخ القرضاوي أن ما تتعرض له القدس اليوم هو أخطر مراحل الاعتداءات والتهويد منذ عام احتلال كامل القدس عام 1967. ونبّه إلى مشروع الاحتلال بإنشاء مدينة يهودية مقدسة موازية للبلدة القديمة في القدس، ولذلك يسعى إلى تفريغها من أهلها، وتكريس الوجود اليهودي على الأرض على أنقاض المعالم الإسلامية والمسيحية. وشدد الشيخ القرضاوي على ضرورة أن يتحمل قادة الأمة مسؤولياتهم بعدما تطور الاحتلال في مشروعه التهويدي تطورًا غير مسبوق.

وفيما يلي نص نداء العلامة الدكتور القرضاوي.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعــد،
تحية معطرة بأريج القدس،

إنه لمن دواعي سروري أن أبعث إليكم بتحياتي وأشواقي وتقديري الكبير للدور الذي تقومون به لخدمة قضايا الأمة العربية والإسلامية وفي مقدمها قضية فلسطين وقلبها النابض القدس، ودعائي الخالص لكم أن يمتعكم الله بالصحة، ويديم عليكم نعمة العافية وأن ينعم على بلدكم بالرخاء والاستقرار.

نكتب لكم من "مؤسسة القدس الدولية"، وهي مؤسسة مدنية عربية وإسلامية ودولية، غايتها إنقاذ مدينة القدس والحفاظ على عروبتها وهويتها الحضارية ومقدساتها الإسلامية والمسيحية، والعمل على تثبيت وجود أهلها وتعزيز صمودهم ومواجهة وفضح الممارسات غير الإنسانية ومخططات تهويد المدينة المقدسة وكشف المؤامرة على مسجدها الأقصى، وحشد جهود الأمة من أجل تلك الغاية السامية.

منذ وقوع المدينة في الأسر الإسرائيلي عام 1967، تعرضت مدينة القدس زهرة المدائن، ودرة حواضر الدنيا، لاستراتيجية احتلالية تهويدية ممنهجة، هدفت لطمس هويتها العربية، والاستيلاء على مقدساتها الإسلامية والمسيحية، واقتلاع أهلها المنغرسين فيها، وإحلال المستوطنين الغرباء مكانهم. لكن أخطر حلقات هذه الاستراتيجية هو ما يحصل الآن في حي البستان الذي يسعى الاحتلال لإزالته تماماً بعقاراته الثمانية والثمانين وسكانه الألف وخمسمئة، وهذا هو أخطر ما يحصل للقدس منذ احتلالها عام 1967 وهدم حارة المغاربة الملاصقة للجدار الغربي للمسجد الأقصى.

إن هذه الخطوة تأتي لتحقيق هدفين شديدي الخطورة على المسجد الأقصى:

الأول: هو خلق مدينة يهودية مقدسةٍ موازية للبلدة القديمة بمقدساتها الإسلامية والمسيحية، ومشتركةٍ معها في المركز ذاته، أي المسجد الأقصى، لتحقيق وجودٍ يهودي ثقافي وديني قسري فوق صدر هذه المدينة، وحي البستان الذي نتحدث عنه يقع أسفل الجبل الذي يتربع فوقه المسجد الأقصى، ويبعد عنه مسافةً لا تتجاوز خمسمائة متر.

الثاني: هو التفريغ السكاني للمدينة، ولمحيط المسجد الأقصى تحديداً من المقدسيين الذين يشكلون سياجه الحامي وحائط الدفاع الأول عنه، وهذه المنطقة إذا ما سقطت فإن جنوب المسجد وغربه سيصبحان منكشفين بشكلٍ شبه كامل للوجود الاستيطاني اليهودي.

أمام هذا التطور غير المسبوق في مدينتنا المقدسة، وأمام المسؤولية الشرعية والتاريخية والقومية الملقاة على كاهلكم من موقعكم في طليعة هذه الأمة، المؤتمنة على حماية القدس وسائر مقدساتها الإسلامية والمسيحية، فإننا نرجو من حضرتكم التحرك العاجل بكل ما تملكون من أدوات ووسائل دبلوماسية وسياسية عبر جامعة الدول العربية ومنظمة المؤتمر الإسلامي والأمم المتحدة، لتشكيل حالة ضغطٍ متنامية على دولة الاحتلال المتمادية في غطرستها واعتدائها، وإننا لنرجو أن تضعوا ثقل بلدكم الحبيب وعلاقاته المميزة على المستوى الإقليمي والدولي، للضغط على الدول الصديقة والحليفة لاتخاذ قرارٍ حازمٍ من تحركات الاحتلال تجاه حي البستان.

إن متابعتنا للأحداث في القدس تثبت أن الاحتلال لا يمكن أن يرتدع عن مخططاته التهويدية إلا إذا شعر أن هناك ثمناً باهظاً سيدفعه، وضغطاً غير محتملٍ سيقع تحته إذا ما فكر في الاعتداء على مقدساتنا وأهلنا في القدس، وإننا نعتقد أن ثني المحتل عن مخططه هذا أمرٌ يقع ضمن دائرة الممكن بالوسائل السياسية والدبلوماسية والقانونية إذا ما استخدمت لحدها الأقصى، وإننا نتطلع الى موقف وتحرك من حضرتكم، من رجل قدم ويقدم الكثير دفاعاً عن قضايا الأمة، ليكتب التاريخ وقفتكم المشرفة في أصعب الظروف وأقساها لمنع المحتل من السيطرة على القدس وطمس هويتها.

وتقبلوا مني خالص الشكر والتقدير، وخالص الدعاء لكم بالتوفيق والسداد.

الدكتور يوسف القرضاوي
رئيس مجلس أمناء مؤسسة القدس الدولية

الأربعاء، 4 مارس 2009

القضاء على الوجود الصليبيى


بعد أن أنتهى صلاح الدين الأيوبى من توحيد الجبهة الإسلامية أصبح فى مقدوره منازلة الفرنجة بصورة حاسمة, فدعى كافة المسلمين وقد تجمعت لديه قوات كثيرة وأنتظر الفرصة لشن هجومه عندما نقض أرناط صاحب الكرك الهدنة وتعرض للقوافل التجارية بين مصر والشام وقوافل الحجاج الذاهبة الى مكة والمدينة, فنال الصليبين هزيمة ساحقة فى معركة حطين عام 583 ه (1187م) وأسترد المسلمون بيت المقدس وقتل أرناط وعدد كبير من الصليبين ففر بعضهم الى مدينة صور وأتخذوها مركزا لهم وأرسل كونراد الى ملوك أوروبا يطلب منهم المعونة لحرب صلاح الدين وأسترداد بيت المقدس وأتفق على تجهيز ماعرف بالحملة الصليبية الثالثة بين ملوك المانيا وفرنسا وأنجلترا.

فشلت الحملة الصليبية الثالثة التى تزعمها ملوك أوربا لمحاربة صلاح الدين حتى بعد أن نجحت فى الأستيلاء على عكا وثار نزاع بينهم مما أدى الى رحيل فيليب أوغسطس ملك فرنسا, وكان الامبراطور فردريك باربروسا أمبراطور المانيا قد مات قبل الوصول الى بيت المقدس عن طريق البر. وقد عقد صلاح الدين وريتشارد قلب الأسد ملك أنجلترا أتفاقية عرفت بأسم (صلح الرملة).

توجهت الحملة الصليبية الرابعة برا الى القسطنطينية ولم تصل الى الشام ففكر ملك الصليبين فى عكا أن يجهز حملة أخرى يغزو بها دلتا مصر عام (615 ه / 1218 م) فكان أن قام بحملة على دمياط ونجح فى الأستيلاء عليها ولكن لم يستطع التقدم عبر النيل الى القاهرة فأضطر الى قبول الصلح مع الملك الكامل محمد الذى خلف والده الملك العادل فى حكم مصر.

نتيجة تنافس ملوك بنى أيوب على السلطة, قام الملك الكامل بعمل معاهدة مع الأمبراطور فردريك الثانى وسلمه من خلالها بيت المقدس على أن يحتفظ المسلمون بالحرم ومسجد الصخرة وأن تقام الشعائر ويرفع الأذان. أسترجع ملوك الخوارزمية بيت المقدس من الصليبين عام 642 ه فأعد لويس التاسع ملك فرنسا لحملة صليبية جديدة.

توفى الملك الصالح نجم الدين أيوب عام 647 ه وكانت الحملة الصليبية قد نجحت فى الأستيلاء على دمياط, وقد أنتهت الحملة الصليبية السابعة بأسر الملك لويس التاسع حيث تم حبسه بدار القاضى محى الدين بن لقمان ومقتل معظم جنوده. وأنتهى حكم الأيوبين فى مصر بمقتل تورانشاه على يد المماليك.

أوقف المماليك الخطر المغولى بأنتصارهم فى معركة عين جالوت بقيادة الأمير المظفر سيف الدين قطز على المغول ونجحوا فى إيقاف زحفهم المدمر على العالم.

قام بيبرس بالقضاء على الوجود الصليبيى فى إمارة أنطاكية ويافا عام 688 ه / 1286 م. ولم تختلف سياسة المنصور قلاون عن بيبرس فتابع القضاء عليهم وأستولى على طرابلس عام 688 ه / 1289 م, ثم تبعه أبنه الأشرف خليل وقام بالأستيلاء على عكا أخر حصون الصليبين فى بلاد الشام عام 689 ه / 1290 ه. وعلى هذا النحو أزيلت الكيانات الصليبية التى أقيمت ببلاد الشام بعد جهاد طويل بدأ بعماد الدين زنكى ونور الدين محمود وصلاح الدين الأيوبى حتى سلاطين المماليك.

الاثنين، 2 مارس 2009

أوسع عملية ترحيل لعائلات مقدسية

سلمت البلدية الإسرائيلية بالقدس 88 عائلة فلسطينية إخطارات بهدم منازلها بمنطقة البستان في حي سلوان التابع لمدينة القدس المحتلة، وذلك بذريعة البناء دون ترخيص. وستؤدي عملية الترحيل التي توصف بأنها الأوسع منذ عام 1967 إلى تشريد أكثر من 1500 فلسطيني مقدسي، وسحب حقهم في الإقامة بالمدينة
في السياق ذاته اتهمت الهيئة الإسلامية المسيحية لنصرة القدس والمقدسات اليوم تل أبيب بتصعيد "الحرب" على مدينة القدس عبر التخلص من الأحياء العربية فيها، مطالبة بوقفة عربية ودولية حازمة لإنقاذ المدينة المقدسة من محاولات "التهويد". واعتبر الأمين العام للهيئة حسن خاطر في بيان أن "سكان حي البستان جنوب المسجد الأقصى أصبحوا في دائرة الخطر الحقيقي خاصة بعد أن ألغت اللجنة اللوائية للتنظيم والبناء الإسرائيلية المخطط الذي كان قد قدمه أهالي الحي". وأوضح أن الإلغاء جاء نتيجة مصادقة اللجنة المذكورة على مخطط آخر لنفس المنطقة قامت بإعداده بلدية "الاحتلال" وبموجب المخطط الجديد ستتم إزالة القسم الأكبر من حي البستان وتشريد سكانه البالغ عددهم (1500) فلسطيني وتجريف الحي وتحويله إلى حدائق عامة، ضمن مخطط واسع يهدف إلى تهويد محيط المسجد الأقصى أو ما يعرف "بالحوض المقدس". وأضاف خاطر أن "السلطات الإسرائيلية اليوم باتت تتجه نحو توسيع دائرة الاضطهاد للمقدسيين باستهداف سكان أحياء بأكملها، والعمل على تجريد عشرات الآلاف من المقدسيين من مواطنتهم". وأكد أن السلطات الإسرائيلية تحاول خداع الفلسطينيين في حي البستان عن طريق مقايضة منازلهم بمساكن بديلة بأحياء مقدسية أخرى مثل بيت حانينا وغيرها. كما ذكر الأمين العام لهيئة نصرة القدس أنه في الوقت الذي شرعت فيه السلطات الإسرائيلية في استهداف حي البستان جنوب الأقصى، تشرع أيضاً في استهداف حي الشيخ جراح شمال الأقصى. ورأى أن "هذا التطور الخطير يعكس حجم الاضطهاد الذي بات يعاني منه المواطن المقدسي، ويكشف بالوقت نفسه عن المستوى الخطير الذي بلغته عملية التهويد المستمرة والمتواصلة منذ احتلال القسم الشرقي للمدينة عام 1967". وكشف خاطر عن أن سلطات الاحتلال كانت قد نجحت في تهجير عشرات الآلاف من المسيحيين بفعل الظروف القاسية التي تفرضها على الفلسطينيين عموما، حتى إن نسبتهم اليوم بالأراضي المقدسة لم تعد تتجاوز 1% بعد أن كانت تصل أحيانا أكثر من 5%. وقال أيضا "نحن نغتنم زيارة البابا المقررة في الثامن من مايو/ أيار القادم، لنلفت انتباه قداسته إلى المؤامرة الصهيونية على الوجود المسيحي بالقدس والأراضي المقدسة عموما والتي تؤدي إلى تناقص مستمر في أعداد المسيحيين يوما بعد يوم".